ابن ميثم البحراني

281

شرح نهج البلاغة

وجه إضافتها إلى الأفئدة أنّها لمّا كانت محبوبة مطلوبة للأفئدة الَّتي حصلت عن محبّتها كما تحصل الثمرة عن أصلها أضيفت إليها ، والإضافة يكفى فيها أدنى سبب ونحوه قوله تعالى « رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ » ( 1 ) ولمّا استعار لفظ الهوى رشّح بذكر المهاوي إذ من شأن الهوى أن يكون له موضع . وعميقة صفة لفجاج كما قال تعالى « يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ » ( 2 ) ووصف العمق له باعتبار طوله والانحدار فيه من أعالي البلاد إلى مكَّة ، ووصف الجزائر بالانقطاع لأنّ البحر يقطعها عن سائر الأرض والبحار يحيط بها . وحتّى غاية من قوله : تهوى . بمعنى اللام ، وكنّى بهزّ مناكبهم عن حركاتهم في الطواف بالبيت . إذ كان ذلك من شأن المتحرّك بسرعة . وذللا : جمع ذلول . والنصب على الحال من الضمير في تهزّ . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون من مناكبهم وكذلك موضع يهلَّلون النصب على الحال وكذلك شعثا وغبرا من الضمير في يرملون . وكنّى بنبذهم للسرابيل وراء ظهورهم عن طرحها وعدم لبسها وتشويههم بإعفاء الشعور محاسن خلقهم لأنّ حلق شعر المحرم أو نتفه والتنظيف منه حرام تجب فيه الفدية . وظاهر أنّ إعفاء الشعور يستلزم تقبيح الخلقة وتشويهها وتغيير ما هو معتاد من تحسينها بحلقه وإزالته . وقوله : ابتلاء . وامتحانا . واختبارا . وتمحيصا . منصوبات على المفعول له . والعامل فيه قوله : أمر اللَّه آدم ، ويحتمل أن يكون على المصدر كلّ من فعله . وعدّد هذه الألفاظ وإن كانت مترادفة على معنى واحد تأكيدا وتقريرا لكون اللَّه تعالى شدّد عليهم في البلوى بذلك ليكون استعدادهم بتلك القوى العظيمة للثواب أتمّ وأشدّ فيكون الجزاء لهم أفضل وأجزل فلذلك قال : جعله اللَّه سببا لرحمته ووصلة إلى جنّته : أي سببا معدّا لإفاضة رحمة تستلزم الوصول إلى جنّته . وقد تأكَّد بهذا المثال صدق قوله : وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم كان الثواب أجزل . لأنّ اللَّه سبحانه لمّا اختبر عباده بأمر الحجّ ومناسكه الَّتي يستلزم شقاء الأبدان واحتمال المشاقّ الكثيرة المتعبة في الأسفار من المسافات

--> ( 1 ) 14 - 40 . ( 2 ) 22 - 28 .